في خضم واقعٍ سوداني تتنازعه الصراعات والانقسامات السياسية والمسلحة، يبرز صوت محمد سيد أحمد الجاكومي كأحد الأصوات الوطنية الرافضة لمنطق العنف والتغوّل على الدولة عبر فوهة البندقية. الجاكومي، مستندًا إلى تجربة سياسية طويلة وقراءة متأنية للمشهد السوداني، وجّه موقفًا واضحًا لا لبس فيه: لا مكان للقوة المسلحة في صياغة مستقبل البلاد، ولا شرعية تُنتزع عبر الفرض أو التهديد.
موقفه الرافض لاستخدام السلاح كورقة ضغط أو وسيلة لانتزاع مكاسب سياسية، جاء ليضع حدًا للتكتيكات التي تسعى لإخضاع البلاد لسلطة المليشيات أو دفعها إلى مزيد من الانهيار تحت ذرائع سياسية متهافتة. الجاكومي يرى أن التحول الديمقراطي الحقيقي لا يمكن أن ينمو فوق أنقاض الفوضى، بل يحتاج إلى مناخ سلمي، وإرادة جماعية، واحترام لقواعد العمل السياسي المدني.
في حديثه، وجّه الجاكومي رسائل صريحة: لا لوصاية السلاح، لا لاستقواء أي طرف على الدولة والمجتمع، ولا لمن يظن أن بإمكانه هندسة الوطن وفق مقاييس القوة لا الإجماع. وأكد أن أبناء الشمال، بمسؤوليتهم الوطنية والتاريخية، يملكون أدوات الدفاع عن مصالحهم بوعيهم وحضورهم السياسي، لا عبر اللجوء إلى العنف أو الاحتماء بأي جهة خارجية.
كما شدد على أن أي مشروع يسعى لإعادة إنتاج الأزمة أو تقنين الانقسام هو مشروع ساقط ويفتقر لأي شرعية وطنية. الابتزاز السياسي – سواء عبر السلاح أو عبر محاولات اختطاف القرار الوطني – لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد، وأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُرسم في مراكز السلاح، بل في ميادين الحوار والانتماء المسؤول.
الجاكومي اختار الانحياز إلى الوطن، لا إلى السلاح؛ إلى الحوار، لا إلى الحرب؛ إلى بناء الدولة، لا إلى تقويضها. إنه صوت يعيد التذكير بأن الوطن ليس غنيمة يتنازعها المسلحون، بل كيان يحتاج إلى تضحيات نابعة من الإيمان بمبدأ أن السودان لكل السودانيين، وأن لا خيار سوى دولة مدنية عادلة يحتكم فيها الجميع إلى صناديق الاقتراع، لا إلى صناديق الذخيرة.
وفي لحظة مصيرية كهذه، تبدو مواقف كهذه ضرورية لإعادة التوازن في مشهد اختلطت فيه الأوراق وتعددت فيه الرهانات. إنها دعوة لاستعادة البوصلة الوطنية، وتأكيد على أن السلم الأهلي والوحدة الوطنية خط أحمر لا ينبغي لأي جهة تجاوزه، مهما كانت شعاراتها أو طموحاتها.