أسامة عبد الماجد يكتب: الخرطوم تستعيد موقعها… ولكن
متابعات – أمواج نيوز – عودة الحكومة الاتحادية من بورتسودان إلى الخرطوم تُعد من الأخبار القليلة التي حملت قدراً من التفاؤل في مشهد سياسي مثقل بالتحديات.
فقد جاءت العودة هذه المرة مصحوبة بعدد من رموز الجهاز التنفيذي، في مقدمتهم رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، إلى جانب وزارات محورية تشمل العدل والمالية والخارجية والثقافة والإعلام، في خطوة تعكس رغبة واضحة في استعادة مركز الدولة من عاصمتها الطبيعية.
وتبرز وزارة الداخلية كأحد النماذج اللافتة في هذا السياق، حيث كانت من أوائل المؤسسات التي عادت إلى الخرطوم، في رسالة مبكرة تؤكد أن إدارة الدولة لا يمكن أن تتم عن بُعد، وأن بسط الأمن والاستقرار يبدأ من الوجود الفعلي في الميدان.
كما أعاد الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء، الذي عُقد في الخرطوم برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، شيئاً من هيبة الدولة ونبضها المؤسسي إلى العاصمة. وتحمل هذه الخطوة دلالات مهمة للداخل والخارج، إذ تبعث برسائل طمأنة للمواطنين، وإشارات إيجابية للمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي بأن السودان بدأ يستعيد توازنه ودوره.
غير أن التحدي الأبرز لا يرتبط بعودة المباني أو انتقال المسؤولين، بقدر ما يتصل بإعادة الاعتبار للمؤسسية داخل أجهزة الدولة. فقد شهدت الخدمة المدنية تراجعاً ملحوظاً في الأداء والانضباط والكفاءة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يجعل من عودة الحكومة فرصة لإجراء مراجعة شاملة تشمل حصر العاملين، وتقييم الكفاءات، ومراجعة الهياكل الوظيفية، وضبط المرتبات، ومعالجة الاختلالات التي أضعفت الجهاز الإداري.
وتتطلب المرحلة أيضاً إعادة تنظيم بيئة العمل داخل المؤسسات الحكومية، عبر ترتيب المكاتب، وضبط إجراءات الدخول، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات العمل الحديثة، إلى جانب ترسيخ ثقافة احترام الوقت وربط الترقية والمساءلة بمستوى الأداء، بما يعزز خدمة المواطن ويحد من مظاهر الفساد.
وتشير تجارب دول ناجحة إلى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الخدمة المدنية، حيث سبقت النهضة الإدارية أي مشروعات كبرى، من خلال الانضباط والتدريب وربط الأداء بالأهداف الوطنية، وهو ما أدى إلى بناء مؤسسات قوية ودولة فاعلة.
وعليه، فإن عودة الحكومة إلى الخرطوم ينبغي ألا تُختزل في مشهد رمزي أو خبر عابر، بل أن تمثل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تستعيد فيها الدولة فاعليتها من داخل مؤسساتها. ورغم ما تحمله الخطوة من دلالات إيجابية، إلا أن استمرار حالة الارتباك في الأداء التنفيذي يفرض مراجعات جادة، حتى لا تضيع الفرصة مجدداً.