مجلس السيادة على حافة القرار الأصعب
متابعات – أمواج نيوز – يتفق كثيرون، بمن فيهم أعضاء مجلس السيادة أنفسهم، على أن الوضع الدستوري القائم في السودان مؤقت ومضطرب، ولا يصلح أن يكون صيغة حكم مستقرة لدولة بتعقيدات وحجم السودان.
فإدارة رأس الدولة عبر عدة مراكز قرار متوازية أفرزت حالة من التعطيل المتبادل، وجعلت السلطة أقرب إلى توازن هش قابل للانفجار في أي لحظة.
غير أن جوهر الأزمة لا يتمثل في مبدأ التغيير بحد ذاته، بل في كيفية الوصول إليه، وفي سيناريو الخروج الآمن من هذه الصيغة دون التسبب في فراغ دستوري أو سياسي أخطر من الواقع الحالي. فالتغيير غير المحسوب قد يتحول إلى بوابة لأزمات أعمق.
ومع مرور السنوات، خرج مجلس السيادة عن دوره الإشرافي الذي حددته الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، وتحول عملياً إلى مجموعة مراكز نفوذ، يستند كل منها إلى شرعية سياسية أو اجتماعية أو عسكرية فرضها الواقع. وبات المجلس أقرب إلى تركيبة متعددة الأقطاب، لا مؤسسة موحدة القرار.
فرضت الحرب وتعقيدات المرحلة الانتقالية واقعاً جديداً، جعل بعض أعضاء المجلس يمثلون توازنات إقليمية ومناطقية تتجاوز مواقعهم الرسمية. فأصبحت بعض الشخصيات واجهة لقضايا أقاليم كاملة، بينما حمل وجود قيادات من دارفور في قمة السلطة دلالات سياسية ومجتمعية حساسة، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية التي يعيشها الإقليم.
في هذا السياق، تبدو أي محاولة لتفكيك مجلس السيادة بطريقة مبسطة خطوة محفوفة بالمخاطر، إذ قد تُفسَّر كإقصاء لمكونات اجتماعية ومناطقية، لا مجرد تغيير في الأفراد. وغالباً ما تقود مثل هذه المسارات إلى إعادة إنتاج الصراع داخل مؤسسات الدولة نفسها.
الخيارات المتاحة للخروج من هذا المأزق تظل محدودة. فإما التوافق على ترتيبات دستورية جديدة تعيد هندسة السلطة بشكل أكثر فاعلية، مع الحفاظ على التوازنات التي تشكلت خلال سنوات الحرب والانتقال، أو الإبقاء المؤقت على الصيغة الحالية إلى حين انتهاء الحرب والذهاب إلى انتخابات تمنح الشرعية عبر صندوق الاقتراع.
جوهر الإصلاح المطلوب اليوم يتمثل في حسم سؤال مركز القرار: هل يستند إلى توافق سياسي جامع، أم إلى موازين قوى فرضتها الحرب والواقع العسكري؟. فالإجابة على هذا السؤال ستحدد شكل الدولة المقبلة.
ردود الأفعال الأخيرة الصادرة عن كيانات إثنية ومناطقية تؤكد خطورة الرهان على حلول سريعة. فالدولة لم تستكمل بعد احتكارها المشروع للعنف، ولا تزال الجيوش متعددة، والوحدة الجغرافية والسياسية لم تكتمل، ما يجعل أي مغامرة دستورية غير محسوبة تهديداً مباشراً للاستقرار الهش.
السودان يقف اليوم عند مفترق طرق بين الفوضى وبناء الدولة. والعبور الآمن من هذه المرحلة يتوقف على وعي وإرادة أعضاء مجلس السيادة، وقدرتهم على إدارة الانتقال دون دفع البلاد نحو انفجار جديد.